الشهيد الثاني
31
روض الجنان في شرح ارشاد الأذهان ( ط . ج )
جسيم ، يقال : جسُم الشيء ، أي : عظم ، فهو جسيم وجُسام بالضمّ . وإنّما ترك ذكر المتفضّل والمتطوّل عليه لكون الغرض إثبات الوصف له على الإطلاق ، ثمّ مقام الخطابة يفيد العموم في أفراد مَنْ يصلح تعلَّقه به ، أو للاختصار مع إرادة التعميم ، كما تقول : قد كان منك ما يؤلم ، أي : كلّ أحد ، ومنه قوله تعالى : * ( والله يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ ) * ( 1 ) أي : يدعو كلّ أحد ، أو لمجرّد الاختصار ، كقولك : أصغيت إليه ، أي : أذني ، ومنه قوله تعالى : * ( أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) * ( 2 ) أي : إلى ذاتك ، وقوله تعالى : * ( أَهذَا الَّذِي بَعَثَ الله رَسُولاً ) * ( 3 ) أي : بعثه اللَّه ، أو لغير ذلك ممّا هو مقرّر في محلَّه من فنّ المعاني . ( أحمده ) بفتح الميم لأنّ ماضيه « حمِد » بكسرها ، كعَلِم يعلَم ، وما في قوله : ( على ما ) موصولة ، وصلتها ( فضّلنا ) والعائد على الموصول الهاء في ( به ) و « من » في قوله : ( من الإكرام ) لبيان الجنس . وأشار بذلك إلى قوله تعالى : * ( ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ) * إلى قوله : * ( وفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً ) * ( 4 ) . والذي كرم به بنو آدم على ما اختاره محصّلو المفسّرين : القوّة والعقل والنطق والعلم والحكمة وتعديل القامة والأكل باليد ، وتسليطهم على غيرهم ، وتسخير سائر الحيوانات لهم ، وأنّهم يعرفون اللَّه ، وأن جَعَل محمّداً صلَّى اللَّه عليه وآله منهم ، وغير ذلك من النعم التي خُصّوا بها . ويحتمل أن يريد المصنّف ما هو أخصّ من ذلك ، وعلى هذا يجوز كون « من » تبعيضيّةً ، لكنّ الأوّل أمتن وأبدع . ( وأشكره على جميع الأقسام ) أي : الأحوال لأنّه تعالى في جميع الحالات لا يفعل إلا لغرضٍ تعود مصلحته على العبد ، فيستحقّ الشكر على جميعها . وهاتان الفقرتان وإن كانتا خبريّتين لفظاً لكنّهما إنشائيّتان معنىً ، فإنّ الإنشاء أكثر فائدةً وأعم نفعاً وأقوى حمداً وشكراً .
--> ( 1 ) يونس ( 10 ) : 25 . ( 2 ) الأعراف ( 7 ) : 143 . ( 3 ) الفرقان ( 25 ) : 41 . ( 4 ) الإسراء ( 17 ) : 70 .